محمد هادي معرفة

434

التمهيد في علوم القرآن

وقيل - زيادة على ما مر - : إنّ من لطائفه التنبيه على أنّ مبتدأ الخلق الغيبة عنه سبحانه ، وقصورهم عن محاضرته ومخاطبته ، وقيام حجاب العظمة عليهم ، فإذا عرفوه بما هو أهله وتوسّلوا للقرب بالثناء عليه ، وأقرّوا له بالمحامد ، وتعبّدوا له بما يليق بهم ، تقرّبا إلى ساحة قدسه الكريم ، فعند ذلك تأهّلوا لمخاطبته ومناجاته عن حضور ، فقالوا : إيّاك نعبد ، وإيّاك نستعين « 1 » . حدّ الالتفات وفائدته : هو عند الجمهور : التعبير عنه بطريق من الطرق الثلاثة ( التكلّم والخطاب والغيبة ) بعد التعبير عنه بطريق آخر منها . وعمّمه السكاكي إلى كل تعبير وقع فيما حقّه التعبير بغيره ، حسب ظاهر السياق . كالتعبير بالماضي في موضع كان حقّه الاستقبال أو الحال . أو وضع المضمر موضع المظهر أو العكس . ونحو ذلك ممّا يتحوّل وجه الكلام فجأة على خلاف السياق « 2 » . وفائدته العامّة هي تطرية نشاط السامع وصيانته عن الملل والسآمة ، لما جبلت النفوس على حبّ الانتقال وتصريف الأحوال ، فتملّ من الاستمرار على منوال واحد من وجه الكلام . . . هذه هي فائدته العامّة السارية في جميع موارده . وتختصّ مواضعه ، كلّ بنكتة وظريفة زائدة ، يحلو بها البيان وتهشّ إليها النفوس وتستلذّها . قال الزمخشري : وذلك على عادة افتنان العرب في كلامهم وتصرّفهم فيه ولأنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع ، وإيقاظا للإصغاء إليه ، من إجرائه على أسلوب واحد . وقد تختصّ

--> ( 1 ) معترك الاقران : ج 1 ص 382 . ( 2 ) أنوار الربيع : ج 1 ص 362 . والمثل السائر لابن الأثير ج 2 ص 171 .